الهجرة تحول ايجابي نحو البناء والتعمير وكريم الأخلاق
" للشيخ محمد حســـــن داود "
العناصــــــــــــــــــر :
- مقدمة .
1 - والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه .
2 - من صور الهجرة التي نحتاج إليها :
• أ - هجرة البطالة والكسل إلى العمل والبناء والتعمير .
• ب - هجرة الأخلاق الذميمة إلى الأخلاق الحميدة .
• ج - الهجرة من السلبية إلى الايجابية .
• د - الهجرة من غفلة الضمير إلى يقظته وصحوته .
3 – نظرة الإسلام إلى الهجرة الغير شرعية .
الموضـــــــــــــــوع :
الحمد لله رب العالمين ،واشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له ،واشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى اله و صحبه أجمعين . أما بعد :
- مقدمة .
يحل شهر الله المحرم، فيتذكر المسلمون ذلك الحدث العظيم، الذي قلب موازين التاريخ، وغير وجه البشرية؛ إنه حادث الهجرة النبوية المباركة، من مكة إلى المدينة؛ فلقد كانت الهجرة سبيلا إلى بناء الدولة الإسلامية على العدل، والعلم ،والعمل، والحرية والإخاء، والمساواة، ورعاية الحقوق والواجبات، والتعايش السلمي بين البشر جميعهم على اختلاف أعراقهم وأديانهم؛ ومن ثم شع نور الإسلام في الأصقاع، ودخل الناس فيه أفواجا.
فعندما هاجر الرسول صلي الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلي المدينة المنورة، انتقلت الدعوة الإسلامية من الدور المحلي إلي الدور العالمي، ومن عهد مكي إلي عهد مدني، ومن ضعف إلي قوة؛ إذ لم تكن هجرة النبي طلبا للراحة ،ولا تخليا عن الدعوة إلى الله ولكن تنفيذا لأمر الله تعالى، فما كان قلبه صلى الله عليه وسلم ليتعلق بالدنيا فهو القائل" مَا لِي وَمَا لِلدُّنْيَا مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا " جامع الترمذي
كما أن الهجرة لم تكن هروبا ولا انكسارا، وإنما كانت انطلاقا وانتصارا، فبها انتصرت دعوة الإسلام، وأخذت طريقها في الانتشار ،وبعدها دخل الناس في دين الله أفواجا، ولقد عبر القرآن الكريم عنها بهذا، حيث قال الله سبحانه وتعالي(إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا)التوبة 40
إن معاني الهجرة ستبقي متجددة وسراجا منيرا حتى يرث الله الأرض ومن عليها؛ فتلك المعجزة ستظل خالدة بقاء الدهر لأن الذي أذن بها ويسر السبل لها هو المولى جل وعلا القائل في كتابه (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الـْخَبِيرُ )الأنعام 18.
والذي بلغ بالتخطيط ولحظة الانطلاق وكان قائدا لهذه الرحلة المباركة من نزل عليه قول المولى جل وعلا (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) المائدة 67
والذي قام بهذه الهجرة رجال ونساء امتدحهم القرآن بقوله ( مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖتَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا) الفتح29
عظم ربنا لهم أجورهم، ورفع لهم درجاتهم؛ فقال فيهم (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) التوبة 100
1 - والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه :
وان كانت الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان قد انتهت بفتح مكة لقوله صلى الله عليه وسلم "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا" صحيح البخاري .
ولما جَاءَ مُجَاشِعٌ بِأَخِيهِ مُجَالِدِ بْنِ مَسْعُودٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ " هَذَا مُجَالِدٌ يُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ ، فَقَالَ : لَا هِجْرَةَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ وَلَكِنْ أُبَايِعُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ " صحيح البخاري .
إلا إن الهجرة من المعاصي والذنوب إلى الطاعات والعبادات باقية بل وواجبة على كل مكلف ذكرا كان أو أنثى ،غنيا كان أو فقيرا ،صحيحا كان أو سقيما، كبيرا كان أو صغيرا ؛قال تعالى (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ )الداريات50
إن الهجرة التي نحتاج إليها اليوم بكل معانيها هي الهجرة إلى الله ورسوله ؛إنها هجرة المعاصي والذنوب ، هجرة الخطايا والآثام ، إنها هجران للباطل وانتماء للحق ،ابتعاد عن المنكرات، وفعل للخيرات، ترك للمعاصي، وانهماك في الطاعات ، هجرة من اللغو إلى الجد والهمة ،هجرة من الرذائل إلى الفضائل، هجرة من البعد إلى الصلة بالله سبحانه، هجرة من البخل إلى البذل والعطاء ؛ فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ " الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ " صحيح البخاري .
هذه أفضل الهجرة واجلها ؛ فعَنْ أُمِّ أََنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالتْ : يَا رَسُولَ اللهِ أَوْصِينِي ، قَالَ : " اهْجُرِي المَعَاصِيَ فَإِنَّهَا أَفْضَلُ الْهِجْرَةِ ، وَحَافِظِي عَلى الفَرَائِضِ فَإِنَّهَا أَفْضَلُ الْجِهَادِ ، وَأَكْثِري مِنْ ذِكْرِ اللهِ ، فَإِنَّكِ لا تَأْتِينَّ اللهَ بِشَيْءٍ أَحَبّ إِلَيْهِ مِنْ كَثْرَةِ ذِكْرِهِ " .
هكذا دائما ترى آن الإسلام يوجه أتباعه إلى الانقياد إلى أمر الله تعالى وطاعته والبعد عن معصيته؛ فيقول جل وعلا ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) الأنفال 24. وقال تعالى (اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ۚ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ ) الشورى 47
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا: هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا، أَوْ غِنًى مُطْغِيًا، أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا، أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا، أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا، أَوْ الدَّجَّالَ؛ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوْ السَّاعَةَ؛ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ"،
وقال أيضا " اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ : شَبَابُكَ قَبْلَ هَرَمِكَ ، وَصِحَّتُكَ قَبْلَ سِقَمِكَ ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ ، وَفَرَاغُكَ قَبْلَ شُغْلِكَ ، وَحَيَاتُكَ قَبْلَ مَوْتِكَ "
بَادِرْ بِخَيْرٍ إذا ما كُنْتَ مُقْتَدِرَا *** فَلَيْسَ في كُلِّ وَقْتٍ أَنْتَ مُقْتَدِرُ
2 - من صور الهجرة التي نحتاج إليها :
• أ - هجرة البطالة والكسل إلى العمل والبناء والتعمير :
كما أن من اجل صور الهجرة التي نحتاج إليها اليوم: هجرة البطالة والكسل والخمول إلى استثمار الإمكانات في العمل والإنتاج والبناء والتعمير؛ إذ يعدّ إعمار الكون من المهام الأساسية للإنسان ، ولضرورته القصوى للحياة الإنسانية كان الإعمار مظهرا من مظاهر تحقيق العبودية لله تعالى، واتسع مفهوم العبادة لا ليقتصر على أداء شعائر تعبدية معينة، بل تجاوز ذلك إلى كلّ فعل مادي أو معنوي من شأنه أن ينهض بالإنسانية، ويبعثها على تحقيق الرقيّ والنهضة في المجالات كلّها ،وإذا أردت أن تعرف مقام ذلك فتدبر جيدا ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال " مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ". البخاري
ومن ثم يظهر جليا أن الإسلام اهتم اهتماما بالغا بكل ما كان من أثره تقدم الأمة، وعلو شأنها ورفعتها، و كانت نظرته إلى العمل نظرة توقير وتمجيد ، فرفع قدره وقيمته ،إذ انه سبيل للرقي والتقدم،والإصلاح، حتى جعل الإسلام من يسعى على كسب معاشه ،ورزق أولاده من حلال في درجة الشهيد أو المرابط في سبيل الله، فَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ (رضي الله عنه) أَنَّ
رَجُلاً مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) فَرَأَى أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) مِنْ جَلَدِهِ وَنَشَاطِهِ مَا أَعْجَبَهُمْ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللهِ لَوْ كَانَ هَذَا فِي سَبِيلِ اللهِ!! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلم): "إِنْ كَانَ يَسْعَى عَلَى وَلَدِهِ صِغَارًا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَفِي سَبِيلِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ لِيَعِفَّهَا فَفِي سَبِيلِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَهْلِهِ فَفِي سَبِيلِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى تَفَاخُرًا وَتَكَاثُرًا فَفِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ".المعجم الكبير للطبراني.
ومن شدة اهتمام الإسلام بالعمل والبناء أوصى به المصطفى صلى الله عليه وسلم حتى في احك الظروف فقال " إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا " . الأدب المفرد للبخاري
ولقد تمسك الصحابة الأطهار بهذا الإرشاد النبوي الكريم وترى هذا ظاهرا في أحداث الهجرة النبوية الشريفة؛ فعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : " قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَآخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ , فَعَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يُنَاصِفَهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ دُلَّنِي عَلَى السُّوقِ , ... " . البخاري.
كما ذم الإسلام كل مظاهر الكسل والخمول ؛ فكثيراً من الناس قد تتوفر لهم جميع الوسائل المعينة على البناء والتعمير، وتحقيق رغباتهم واثبات هويتهم ومكانتهم ، لكن يحجزهم عن ذلك الخمول والكسل، فصدوا عن كثير من معالي الأمور ولذلك استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم لخطورته فقال" اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ "
وان من المحزن والمؤسف انك ترى شبابا ذي قوة و ذكاء وفطنة ومواهب ومع ذلك تراهم كسالى وضعفاء الهمة لا يبنون ولا يعمرون ولا يقومون على خدمة الدين والوطن ، وفى مثل أولئك يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه أني لأرى الرجل فيعجبني فأقول أله حرفة فإن قالوا لا سقط من عيني).
إذ أن ضعف الهمة تفوت على الفرد مصالح عليا، وتفسد عليه حياته، ولذلك يقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -:( لا تصغرنّ همتك فإني لم أر أقعد بالرجل من سقوط همته)
ويقول المتنبي:
وَلَمْ أَرَ فِيْ عِيُوْبِ النَّاسِ عَيْبَاً *** كَنَقْصِ الْقَادِرِيْنَ عَلى الْتَّمَام
إن النجاح والتقدم والرقى مرتبط باستثمار الطاقات و المواهب وعدم تعطيلها ؛ مرتبط بالعمل في الحصول على الرزق والمال الحلال الذي يضمن للإنسان الحياة الكريمة ،وفيه تلبية حاجات الإنسان الأساسية من مسكن ومأكل وملبس وزواج وتربية الأطفال والإنفاق على من يعول وقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كَفَى بِالْمَرْءِ إِِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ " صحيح ابن حبان.
كما أن العمل والبناء قوة للإنسان وسبيلٌ لتحقيق الأجر والثواب فللعمل اجر عظيم عند الله سبحانه وتعالى غير انه لولا العمل وكسب الرزق لما استطاع الإنسان الصدقة والإحسان بماله ؛ فالمؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف واليد العليا خير من اليد السفلى ، كما أن للعمل أثرا كبيرا على المجتمع ،إذ يؤدّي إلى حالةٍ من الاكتفاء الذاتي من المنتجات المحلية وتصدير الفائض إلى الخارج بدلاً من استيراده،وفيه محاربة للفقر في المجتمع ومحاربة لما ينتج عنه ،والأكثر أن فيه محاربة للبطالة والتسول.
• ب - هجرة الأخلاق الذميمة إلى الأخلاق الحميدة :
كما أن من اجل صور الهجرة التي نحتاج إليها اليوم : هجرة الأخلاق الذميمة إلى الأخلاق الحميدة ؛ فالناظر في الشريعة الإسلامية يجد أن من أهم ما دعت إليه هو هجر الأخلاق الذميمة إلى الأخلاق الحسنة والتحلي بها ، بل لا تعجب أخي المسلم إن قلت أن الغاية التي بعث من أجلها المعصوم صلى الله عليه وسلم هي مكارم الأخلاق ، فهاهو من اتصف بقمة الكمال الإنساني وغاية النبل البشري - المصطفى صلى الله عليه وسلم - يعلن هذا للعالم كله قائلا " إنَّما بُعِثْتُ لأُتَمَّمَ صالحَ الأخلاقِ" .رواه أحمد
ومن ثم أوصى صلى الله عليه وسلم أصحابه بل والأمة جميعها بحسن الأخلاق – إذ يقول " اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا ، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ "كما أن الإيمان له صلة وثيقة جدا بسلوك المسلم وخلقه ، فبقدر ما مع العبد من استقامة الخلق بقدر ما معه من استقامة الدين؛ فخلق العبد هو ميزان ألإيمان ، ينقص الإيمان ويزيد بمقدار خلقه، قال صلى الله عليه وسلم " أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا-"سنن أبى داود.
ولقد أعلى الإسلام مكانة أصحاب السلوك الحسنة ورفع شانهم
فخيرية العبد لا تقاس بصلاته وصيامه فحسب، بل لا بد من النظر في أخلاقه وشيمه،فقد قال صلى الله عليه وسلم " خياركم أحاسنكم أخلاقًا " متفق عليه
فالأخلاق الحسنة هي شِعار المؤمنين، وحِليَة المحسِنين، وسِلاح المجاهِدين، وسببٌ لطيب الحياة والفوز والفَلاح والسعادة وعلو الدرجات في الدارَيْن، وهي زينة المؤمن في الدنيا، وسبب دخول الجنة في الآخرة فقد قال صلى الله عليه وسلم " إِنَّ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ يَحْسُنُ خُلُقُهُ حَتَّى يُدْخِلَهُ حُسْنُ خُلُقِهِ الْجَنَّةَ، وَيَسُوءُ خُلُقُهُ حَتَّى يُدْخِلَهُ سُوءُ خُلُقِهِ النَّارَ" شعب الإيمان للبيهقي
وإذا سألت من اقرب الناس مجلسا من الرسول صلى الله عليه وسلم يوم القيامة لوجدت أن أحسن الناس أخلاقا هم اقرب مجلسا إلى الرسول وأحب الناس إليه صلى الله عليه وسلم
فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا) رواه الترمذي
فلا يتطلب الأمر بسطة في الجسم ،ولا جاهًا ،ولا مالا،ولا كثرة أولاد، ولا جمالا ،ولا منصبا ؛فقد قال صلى الله عيه وسلم " إِنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ وَلا إِلَى صُوَرِكُمْ ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ ، التَّقْوَى هَا هُنَا " وَأَشَارَ إِلَى صَدْرِهِ ، "
وعليه فإن الأمر يتطلب سلوكا طيب به يصل العبد مراتب الصائم القائم ،كما بين ذلك صلى الله عليه وسلم إذ يقول :" إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ" سنن أبى داود
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ؛ إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَنَزَعَتْ مُوقَهَا فَسَقَتْهُ فَغُفِرَ لَهَا بِهِ" البخاري
فهذه المرأة مع فحش فعلها و عظم جرمها إلا أن أخلاقها سادت فقادتها إلى مغفرة الله ورضوانه ومن ثم فإن لتلك الأخلاق الحميدة والسلوك الحسنة أثرا طيبا على العبد كما أن سوء السلوك له أثره السيئ على العبد فإذا ساءت سلوك العبد فسد عمله كما قال صلى الله عليه وسلم "وَإِنَّ سُوءَ الْخُلُقِ يُفْسِدُ الْعَمَلَ، كَمَا يُفْسِدُ الْخَلُّ الْعَسَلَ".
فإذا ضاعت الأخلاق والقيم ضاعت الحسنات والدرجات ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ ؟ قَالُوا : الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ ، فَقَالَ : " إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ ، وَصِيَامٍ ، وَزَكَاةٍ ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا ، وَقَذَفَ هَذَا ، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا ، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا ، وَضَرَبَ هَذَا ، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ ، فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ " .
كما أن السلوك لها أثرها على المجتمع إذ أن الأخلاق هي الأساس لبناء المجتمعات فالسلوك الحسنة من شأنها أن تبني مجتمعًا محصنًا لا تنال منه عوامل التردي والانحطاط، وليس ابتلاء الأمم والحضارات كامنًا في ضعف إمكانياتها المادية أو منجزاتها العلميَّة فحسب ،بل إنما و في قيمتها الخلقية التي تسودها وتتحلى بها ،ومن ثم فان للأخلاق أهمية بالغة في سعادة أي مجتمع وشقائه، فكلما كان المجتمع متمسكا بالأخلاق الفاضلة كان استقراره وأمنه متحققا،فالأخلاق من أهم أسبابِ المودة، قال تعالى -: ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ [فصلت: 34].
وكلما ابتعد المجتمع عن الأخلاق الفاضلة وتحول إلى الأخلاق السيئة زاد شقاء المجتمع واضطرابه وعدم استقراره، ومن ثم فمكارم الأخلاق ضرورة اجتماعية، لا يستغني عنها مجتمع من المجتمعات، ومتى فقدت الأخلاق التي هي الوسيط الذي لابد منه لانسجام الإنسان مع أخيه الإنسان، تفكك أفراد المجتمع، وتصارعوا، وتناهبوا مصالحهم، ثم أدى بهم ذلك إلى الانهيار، ثم إلى الدمار، اى أن الأخلاق هي المؤشِّر على استمرار أمَّة ما أو انهيارها؛ فالأمة التي تنهار أخلاقُها يوشك أن ينهارَ كيانُها، قال تعالى -: ﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ﴾ الإسراء 16
يقول الشاعر:
إنّما الأمم الأخلاق ما بقيت** فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
• ج - الهجرة من السلبية إلى الايجابية :
كما أن من اجل صور الهجرة التي نحتاج إليها اليوم: هجرة السلبية إلى الايجابية والايجابية معناها شعور الفرد بالمسئولية والمشاركة الفاعلة في المجتمع بالتوجيه والإصلاح والارتقاء بالوطن والمواطنين ، فقد قال تعالى (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ )المائدة2
فالشخص الايجابي دائما ما يجلب الخير لنفسه ولأهله ولوطنه؛ أما السلبية فتحمل معاني التقوقع، والانزواء، والبلادة، والانغلاق، وكما حث الإسلام على الايجابية نهى و ذم السلبية فعَنْ حُذَيْفَةَ بن اليمان ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ لَمْ يَهْتَمَّ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ ، وَمَنْ لَمْ يُصْبِحْ وَيُمْسِى نَاصِحًا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِكِتَابِهِ ولإِمَامِهِ ولِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ " مجمع الزوائد.
إن نهضة الأمم لا تقوم على أفراد سلبيين كسالى لا يهتمون بأمر أمتهم، ولا بشأن مجتمعهم وإنما تقوم على أفراد إيجابيين مميزين بالأفكار الطموحة والإرادة الكبيرة، والمتدبر في القران الكريم يرى نماذج لا حصر لها من الايجابية منها: ما كان من هدهد سليمان عليه السلام مثلاً رائعاً في الإيجابية ، ذاك الطائر الصغير في حجمه الكبير في همته ، العظيم في تفكيره ، وذلك حين انفرد بعمل إيجابي أدخل أمة كاملة في الإسلام ، اذ قام بعمل إعلامي عظيم في نقل خبر ملكة سبأ قال تعالى يحكي قصة الهدهد مع سليمان (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ* لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ* فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ* إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ) النمل 20-24
كما أن المتدبر في حادثة الهجرة النبوية يرى هذا الدرس واضحا جليا في كثير من مواطنها ينادى امة الإسلام أن يحتضنوه وان يتبنوه لرفعة دينهم و وطنهم وتقدمهم ونهضتهم
فترى عليَّ بن أبي طالب يقوم بمشاركة ايجابية وتضحية عظيمة إذ يَبِيت في فراش النبي صلى الله عليه وسلم ؛ حتى لا ينتبه مشركى قريش لأمر الهجرة.
ولم تقف المشاركات الايجابية عند الشباب او عند المستطيع فحسب بل إنك لتتعجَّب عندما ترى فعل هذا الرجل العاجز فعن سعيد بن جبير في قوله تعالى (وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رَّحِيماً ) النساء100
قال : كان رجل من خزاعة يقال له ضمرة بن العيص - أو : العيص بن ضمرة بن زنباع - قال : فلما أمروا بالهجرة كان مريضا ، فأمر أهله أن يفرشوا له على سريره ويحملوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : ففعلوا ، فأتاه الموت وهو بالتنعيم ، فنزلت هذه الآية .
كما لم تَقتَصِر المشاركات الايجابية في الهجرة على الرجال، بل قدم النساء قوافلَ من المشاركات والتضحيات ، فهذه السيدة أسماء بنت أبي بكر تمدَّ المهاجرَينِ بالمعونة، وتعرِّض نفسها للخطر – إذ تجلب الطعام للرسول صلى الله عليه وسلم وبصحبته ابيها رضوان الله عليه
وهذا كان حال المصطفى صلى الله عليه وسلم ، فعَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ امْرَأَةً كَانَ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللهِ ، إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً ، فَقَالَ : يَا أُمَّ فُلاَنٍ ، انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ ، حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ ، فَخَلاَ مَعَهَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ ، حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا". مسلم
• د - الهجرة من غفلة الضمير إلى يقظته وصحوته :
فالضمير الحي اليقظ يدفع الإنسان نحو الطريق القويم والعمل الراشد ،قال تعالى ( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا -وَتَقْوَاهَا) الشمس 7-8
و الضمير اليقظ هو القوة التي تدفع العبد نحو فعل الخيرات ،وترك المنكرات وحب الصالحات،والضمير اليقظ هو الرادع عن المعاصي والآثام الذي يجنب العبد مقاربتها ويثنيه عن تكرارها؛
تعليقات
إرسال تعليق