القراءة منهج حياة
القراءة منهج حياة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنه
من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد
أن محمدًا عبده ورسوله..
أما بعد..
فكثيرًا ما نسمع بعض الناس يسأل: ما هي هوايتك؟
ونلاحظ الاختلاف الواضح في الإجابة، فأحد الناس يقول: إن هوايتي السباحة، بينما يجيب الآخر: هوايتي
صيد الأسماك، ويخبر ثالث عن نفسه فيقول: وأنا هوايتي السفر والترحال... كل إنسان يخبر عن هوايته، وربما
تكون هذه الهواية مختلفة عن غيره من الناس، لكن بعض الناس يخبرك عن هوايته قائلا : "وأنا هوايتي
القراءة!!"
وهذا ما أستغرب له كثيرًا، أن يقول إنسان ما :"أنا هوايتي القراءة"...
هل يصح أن يقول أحد: "هوايتي شرب الماء" مثلاً؟!! إن كل الناس يشربون الماء؛ فهذه ليست هواية، وإنما
هي ضرورة، كذلك لا يصح أن يقول إنسان: "إن هوايتي الأكل!" لماذا؟ لأن الأكل ضرورة وليس هواية،
فكل الناس يجوعون ولا بد أن يأكلوا، ربما تفضل طعامً ا على آخر.. لك هذا، لكن أن تمتنع عن الطعام أو
عن النوم أو عن التنفس فهذا يؤدي بك ولا شك إلى الهلاك؛ لأن كل هذه الأشياء من الضروريات - -
لحياة أي إنسان.
وأنا أرى أيضًا أن أي إنسان لا بد له من القراءة..
يجب أن تقرأ ليس كتابًا أو اثنين فقط، وليس يومًا في الأسبوع أو شهرًا في السنة فحسب.. ولكن
يجب أن تكون القراءة هي "منهج حياتك"...
لا يمر عليك يوم دون أن تقرأ... وليس المقصود أي قراءة...بل القراءة المفيدة النافعة.. القراءة التي تبني ولا
تهدم، وتصلح ولا تفسد...
فالقراءة إذن يا إخواني ليست هواية... فمن غير المناسب أن نسمع من يقول: أنا لا أحب - -
القراءة، أو: لست متعودًا عليها، أو: أملّ سريعًا منها، فهذا مثل من يقول: أنا أملّ الأكل؛ لذلك فلن
آكل!!
وإذا تأملت بعض مواقف السيرة النبوية، تجد اهتمامً ا كبيرًا جدًا بقضية القراءة. ومن ثَ فلن تجد غرابة
في قولي: إن القراءة ليست مجرد هواية، وإنما هي بالفعل: منهج حياة...
فعلى سبيل المثال، أريدك أن تتدبر موقف النزول الأول لجبريل عليه السلام على رسول الله صلى
الله عليه وسلم، أليس مما يدعو للتفكير هذه الكلمة العظيمة التي بدأ بها الوحي على الرسول صلى الله عليه
وسلم "اقرأ"؟! كان من الممكن أن يبدأ الوحي بأي كلمة أخرى غيرها، لكن هذا القرآن الذي استمرّ نزوله
ثلا ثًا وعشرين سنة بدأ بهذه الكلمة: "اقرأ"!
ومع أن النبي صلى الله عليه وسلم أمّيٌّ لا يقرأ... إلا أن هذه الكلمة توجَّه له وهو لا يعرف
القراءة!.. مع أنه صلى الله عليه وسلم يتحلّى بآلاف الفضائل الحميدة والخصال الكريمة التي كان من - -
الممكن أن يبدأ القرآن الكريم بالحديث عنها؛ لكن الوحي بدأ خطابه لخاتم الرسل بأمر صريح مباشر, مختصر
في كلمة واحدة تحمل منهج حياة أمة الإسلام.. "اقرأ"..
ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعرف كيف يقرأ, ولا ماذا يقرأ.. فقد ردَّ بوضوح: ما أنا
بقارئ.. وظن أن هذه الكلمة كافية لأن يبدأ جبريل عليه السلام الكلام في موضوع آخر، أو أن يوضح
المقصود الذي يريده .. لكن جبريل عليه السلام يضم رسول الله صلى الله عليه وسلم ضمة شديدة قوية حتى
بلغ الجهد منه صلى الله عليه وسلم, ث يعيد عليه الأمر المختصر: اقرأ..
لمو يزد جبريل عليه السلام في هذا الموقف على هذه الكلمة، والرسول صلى الله عليه وسلم لا
يعرف ماذا يريد ولا ماذا يقصد.. بل لا يعرف من هو.. وكيف جاء إلى هذا المكان؟! إنه صلى الله عليه -
وسلم لا يرى أمامه إلا شخصً ا غريبًا، يؤكد على معنى واحد لا يتعداه "اقرأ"... فقال صلى الله عليه -
وسلم للمرة الثانية: ما أنا بقارئ.. ويعود جبريل عليه السلام لنفس الفعل الشديد.. يضم الرسول صلى الله
عليه وسلم ضمة قوية حتى يبلغ منه الجهد ث قال له للمرة الثالثة: اقرأ .. فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: ما أنا بقارئ ..
هنا يضمه جبريل للمرة الثالثة ث يرسله ويقول له:
"اقْ رَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } 1{ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ } 2{ اقْ رَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ } 3{ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ
"} 4{ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لمَْ ي عَْ لَمْ } 5 {
كل ذلك قبل أن يقول جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم إنه ملك مرسل من رب
العالمين، وأنه أي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم رسول الله، وإن هذا هو القرآن.. وقبل أن يقول له - -
إن هذا الدين الجديد هو الإسلام...قبل هذا كله يقول له وبصيغة الأمر"اقرأ".
ألا يحمل ذلك إشارة لأمة الإسلام؟!
هل يُعقل أن تكون أولى كلمات القرآن نزولاً إلى الأرض كلمة تتحدث عن هواية قد يحبها البعض
وقد ينفر أو يملّ منها البعض الآخر؟
إن القرآن يزيد على سبع وسبعين ألف كلمة، ومن بين كل هذا السيل من الكلمات كانت كلمة
"اقرأ" هي الأولى في النزول...
كما أن في القرآن آلا فًا من الأوامر: أقم الصلاة.. آتوا الزكاة .. وجاهدوا في سبيل الله .. أ وْمر
بالمعروف .. انه عن المنكر .. اصبر على ما أصابك .. أنفقوا مما رزقناكم .. توبوا إلى الله... وغيرها الكثير في
القرآن الك ريم .. ومن بين كل هذه الأوامر .. نزل الأمر الأول: اقرأ..
ولم يتوقف الأمر عند حدود الكلمة الأولى.. بل إن الآيات الخمس الأولى من القرآن الكريم تتكلم
كلها عن موضوع القراءة، وتكررت فيها كلمة "اقرأ" مرتين...
"اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق" .. . وبعد ذلك: "اقرأ وربك الأكرم" .. ث يقول:
"الذي علم بالقلم".. ويذكر القلم بالتحديد حتى يبقى الأمر واضحًا غاية الوضوح أن المقصود هو القراءة
للشيء المكتوب بالقلم، دون أي كناية أو احتمالات مجازية.
ويمكننا بعد ذلك أن نسأل: لماذا نقرأ؟ وهل القراءة وسيلة أم غاية؟
القراءة وسيلة، ونحن نقرأ لكي نتعلم، وقد وضح الله عز وجل هذا في الآيات الخمس الأولى من القرآن
الكريم، قال تعالى:"..اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم .. علم الإنسان ما لم يعلم"
ومع أن العلم غاية القراءة.. إلا أن الله عزَّ وجل لم يبدأ القرآن بكلمة: "تعلم" . ولكن حدد: اقرأ ..
لا شك أنه توجد وسائل كثيرة للتعلم مثل السماع والرؤية والخبرة والتجربة... لكن تبقى الوسيلة
الأعظم في التعلم هي "الق راءة"، وكأن الله عز وجل يعلمنا أنه مهما تعددت وسائل التعليم فلا بد لنا من
"القراءة".
والله عز وجل يحدد لنا في هذه الآيات الخمس ضابطين هامين للقراءة:
الأول: قال تعالى: "اقرأ باسم ربك الذي خلق"... فلابد أن تكون القراءة بسم الله، ولا يجوز أن نقرأ ما
يغضب الله .. أو ما نهى الله عز وجل عن قراءته .. إنما القراءة لله عز وجل .. القراءة على منهج الله عز
وجل .. القراءة لنفع الأرض والبشر .. ولخير الدنيا والآخرة .. أما القراءة التافهة أو المنحرفة أو الضالة أو
المضلة فهذه ليست القراءة التي أمر الله عز وجل بها في قوله: "اقرأ باسم ربك الذي خلق..."
هذا ضابط هام...
الضابط الآخر: هو ألا تخرجك القراءة ولا العلم عن تواضعك .. فلا تتكبر بالعلم الذي علمت .. بل تذكَّر
على الدوام أن الله عز وجل هو الذي منّ عليك به .. "اقرأ وربك الأكرم .. الذي علم بالقلم" هو الذي..
"علم الإنسان ما لم يعلم".. هذا المعنى لا يجب أن يغيب أبداً عن ذهن القارئ أو المتعلم .. مهما وصل
إلى أعلى درجات العلم في زمانه .. فليعلم أن الله عز وجل هو الذي علمه ..
يقول تعالى: "واتقوا الله.. ويعلمكم الله" ..
ويقول: "وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً"..
فلا تتكبر بما تعرف على من لا يعرف.
فأوائل الوحي ترسم لنا منهاجًا قويمًا في طلب العلم والانتفاع به: لابد من الاعتراف بأن نعمة العلم
من الله.. ولابد كذلك من توجيه طاقة العلم والقراءة وجهة يرضاها الله. – –
إذا قلبنا هذه الصفحة من السيرة رأينا موقفً ا آخر رائعً ا وغري بًا جداً على الزمن الذي حدث فيه،
وعلى غيره من الأزمنة.. حتى زماننا!
إنه موقف فداء الأسرى في بدر...
كان الرسول صلى الله عليه وسلم يطلب من الأسير المشرك الذي يريد فداء نفسه من الأسر تعليم
عشرة من المسلمين القراءة والكتابة!! هذا شيء غريب جد اً .. وخاصة في ذلك الزمن الذي انتشرت فيه
الأمية...
لكن القراءة والكتابة والتعلم احتياجات ضرورية لأي أمة تريد النهوض والتقدم والرقي..
وإذا نظرنا إلى حال المسلمين أيام بدر وجدناهم في حاجة إلى الأموال وفي حاجة إلى الاحتفاظ بالأسرى
للضغط على قريش، أو الاحتفاظ بهم لتبادل الأسرى إذا أسر مسلم، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم
يفكر فيما هو أهم من ذلك كله، وهو أن يعلم المسلمين القراءة... كانت هذه نقطة هامة في فكر النبي
صلى الله عليه وسلم وهو يبني أمة الإسلام بناءً متكاملاً.. حتى أن الصحابي الذي يستطيع القراءة كان
يُقدَّ م على أصحابه .. انظر إلى زيد بن ثابت رضى الله عنه الذي قُدم على كثير من الصحابة، وصار ملاصقاً
للرسول صلى الله عليه وسلم بصفة شبه دائمة لأنه يُتقن القراءة والكتابة .. فصار كاتبًا للوحي، وكاتبًا
للرسائل ومترجماللسريانية والعبرية .. كل ذلك بينما كان عمره ثلاثة عشر عامًا فقط!!
تعليقات
إرسال تعليق